توصيف التقنيّة:
تُعدّ PaRDeS (פַּרְדֵּ״ס) من أشهر مناهج التفسير في التقليد اليهوديّ، وهي كلمة عبريّة تعني "البستان" أو "الفردوس" (paradise)، في إشارةٍ إلى أنّ الدخول إلى النصّ المقدّس يشبه الدخول إلى بستان غنيّ بالمعاني. كما أنّ حروف الكلمة تُشكّل اختصارًا لأربعة مستويات لفهم النصّ الكتابيّ، تبدأ بالمعنى المباشر وتنتهي بالأبعاد الروحيّة والرمزيّة العميقة.
ويمكن الإفادة من هذه المنهجيّة في القراءة المسيحيّة للكتاب المقدّس، مع الحفاظ على مبادئ التفسير المسيحيّ الذي يرى في المسيح مفتاح فهم الكتاب المقدّس بأكمله. تعتمد منهجيّة PaRDeS على أربعة مستويات متكاملة في قراءة النصّ:
- Peshat (פשט) أي المعنى الظاهر أو الحرفيّ
هو المستوى الأوّل، ويهدف إلى فهم النصّ كما أراد الكاتب الأصليّ أن يُفهم؛ ويُطرح فيه أسئلة مثل:
- ماذا يقول النصّ؟
- من هم الأشخاص؟
- أين ومتى جرت الأحداث؟
- ما الفكرة الأساسيّة؟
الهدف هنا هو قراءة النصّ بموضوعيّة قبل الانتقال إلى أيّ تفسير.
- Remez (רמז) أي الإشارة أو التلميح
ينتقل القارئ إلى البحث عمّا يلمّح إليه النصّ؛ ويتساءل:
- لماذا استُخدمت هذه الكلمة؟
- هل توجد رموز؟
- هل يرتبط هذا النصّ بنصٍّ آخر؟
- هل توجد إشارات مسيانيّة أو لاهوتيّة؟
هذا المستوى يكتشف العلاقات الداخليّة بين نصوص الكتاب المقدّس.
- Derash (דרש) أي التأمّل والتفسير
في هذا المستوى يبدأ الحوار مع النصّ؛ ويطرح القارئ أسئلة من نوع:
- لماذا صيغ النصّ بهذه الطريقة؟
- ماذا لو حُذفت هذه العبارة؟
- لماذا ذكر الكاتب هذا التفصيل؟
- ماذا يريد الله أن يعلّم شعبه من خلال هذا النصّ؟
هنا يتحوّل النصّ إلى مادة للتعليم والتأمّل الروحيّ.
- Sod (סוד) أي السرّ أو العمق الروحيّ
وهو أعمق مستويات القراءة، لا يقصد به الأسرار الغامضة أو المعرفة الباطنيّة، بل اكتشاف البُعد الروحيّ الذي يقود إلى لقاء الله؛ وتظهر فيه أسئلة مثل:
- ماذا يكشف هذا النصّ عن الله؟
- كيف يقودني إلى المسيح؟
- كيف يغيّر طريقة حياتي؟
- ما الدعوة الروحيّة التي يوجّهها إليّ؟
يمكن تلخيص هذه المنهجيّة تبعًا للجدول التالي:
| المستوى: | السؤال الأساسيّ: | الغاية: |
| Peshat | ماذا يقول النصّ؟ | فهم المعنى الحرفيّ والسياق |
| Remez | إلى ماذا يشير النصّ؟ | اكتشاف الرموز والروابط الكتابيّة |
| Derash | ماذا يعلّمنا النصّ؟ | التأمّل والتفسير واستخلاص الرسالة |
| Sod | كيف يقودني إلى الله؟ | الدخول إلى العمق الروحيّ وتحويل الحياة |
مثال تطبيقيّ:
مثل السامريّ الصالح (لوقا 10: 25-37)
Peshat = ماذا يقول النصّ؟
- رجل تعرّض للسرقة.
- مرّ كاهن ثمّ لاوي ولم يساعداه.
- جاء سامريّ واعتنى به.
- يسوع يختم بسؤال: "من صار قريبًا؟"
هذا هو المعنى المباشر.
Remez = ما الإشارات الموجودة؟
- السامريّون كانوا مكروهين من اليهود.
- يسوع اختار شخصيّة غير متوقّعة لتكون نموذجًا للمحبّة.
- الطريق بين أورشليم وأريحا كان مشهورًا بخطورته.
هذه التفاصيل تضيف عمقًا لفهم الرسالة.
Derash = لماذا رُويت القصّة بهذه الطريقة؟
- لماذا لم يجعل يسوع الكاهن هو البطل؟ لأنّ الرسالة هي أنّ القريب لا يُحدَّد بالهوّيّة الدينيّة أو العرقيّة، بل بالمحبّة العملية.
- ولماذا أنهى المثل بقوله: "اذهب أنت أيضًا واصنع هكذا" بدلًا من الاكتفاء بالثناء على السامريّ؟ لأنّ التعليم الحقيقيّ يقود إلى العمل.
Sod = ماذا يكشف النصّ؟
- الله يقترب من الإنسان الجريح.
- المسيح هو السامريّ الحقيقيّ الذي يقترب من البشريّة المجروحة.
- دعوتي هي أن أكون أداة رحمة لا مجرّد صاحب معرفة دينيّة.
مزايا التقنيّة:
- تمنح قراءة متدرّجة: فلا يقف القارئ عند المعنى الحرفيّ فقط، ولا يقفز مباشرة إلى التطبيق الشخصيّ.
- تحترم وحدة الكتاب المقدّس: إذ تساعد على الربط بين الأسفار المختلفة، ورؤية انسجامها الداخليّ.
- تنمّي الملاحظة: تجعل القارئ ينتبه إلى الكلمات والتكرار والرموز والتفاصيل الصغيرة التي قد يغفل عنها.
- تجمع بين الدراسة والصلاة: فهي تبدأ بالفهم العقليّ، وتنتهي بالتحوّل الروحيّ.
- مناسبة للعمل الجماعيّ: تُستخدم بسهولة في لقاءات الكتاب المقدّس، اجتماعات الشبيبة، التعليم المسيحيّ، إعداد العظات والتنشئة الرعويّة.
ملاحظات:
- لا يجوز تجاوز المستوى الأوّل: لا يمكن الوصول إلى المعاني الروحيّة قبل فهم المعنى الأصليّ للنصّ.
- ليست كلّ قراءة رمزيّة صحيحة: يجب أن تستند الإشارات والرموز إلى سياق الكتاب المقدّس وإلى قواعد التفسير السليم، لا إلى الخيال الشخصيّ.
- المستوى الرابع ليس غموضًا: في التقليد اليهوديّ يشيرSod إلى العمق الروحيّ، لكن في القراءة المسيحيّة يبقى هذا العمق منسجمًا مع إعلان الله في المسيح وتعليم الكنيسة، وليس بابًا لتأويلات باطنيّة منفصلة عن النصّ.
- المستويات الأربعة متكاملة: ليست بدائل عن بعضها، بل خطوات متتابعة؛ فالمعنى الظاهر يؤسّس للإشارة، والإشارة تُغني التأمل، والتأمّل يقود إلى التحوّل الروحيّ.