توصيف التقنيّة
القراءة الرباعيّة هي منهج تفسيريّ وروحيّ متجذّر في التقليد الآبائيّ والوسيط، ينطلق من المعنى الحرفيّ للنصّ ثمّ ينتقل إلى أبعاده الروحيّة الثلاثة: الرمزيّ، الأخلاقيّ والأخرويّ.
يمكن تلخيصها بأربعة أسئلة متدرّجة:
البُعد: | السؤال الأساسيّ: | المقصودّ: |
| الحرفيّ (Literal) | ماذا حدث؟ | فهم الحدث أو النصّ بحسب معناه المباشر وسياقه |
| الرمزيّ/المجازيّ (Allegorical) | ماذا يقول عن المسيح؟ | كيف يشير النصّ إلى المسيح وعمله والكنيسة وأسرار الإيمان؟ |
| الأخلاقيّ (Moral) | ماذا يطلب مني؟ | كيف يتحوّل النصّ إلى دعوة للحياة والتوبة والاقتداء؟ |
| الأخرويّ (Anagogical) | إلى أين يقودني؟ | ماذا يكشف عن الملكوت والحياة الأبديّة والرجاء والمصير النهائيّ؟ |
وبالتالي، لا تكتفي القراءة الرباعيّة بسؤال "ماذا يقول النصّ؟"، بل تنتقل إلى: ماذا حدث؟ ماذا يكشف؟ كيف أعيش؟ وإلى أين أتّجه؟
والفكرة الأساسيّة هي أنّ هذه المستويات لا تلغي المعنى الحرفي ولا تستبدله، بل تبني عليه وتستخرج منه أبعادًا روحيّة أعمق.
مثال تطبيقيّ
مثال (1): عبور شعب الله البحر الأحمر (خروج 14)
أ. المعنى الحرفيّ: ماذا حدث؟ = الشعب كان أمام البحر الأحمر، وفرعون وجيشه يلاحقونه. تدخّل الله، فانشقّ البحر، وعبر الشعب إلى الضفّة الأخرى، بينما هلك جيش فرعون.
السؤال: ما الحدث الذي يرويه النصّ؟ = الله أنقذ شعبه من العبوديّة وأخرجه من قبضة فرعون إلى الحرّيّة.
ب. المعنى الرمزيّ: ماذا يقول عن المسيح؟ = في القراءة المسيحيّة، يصبح الخروج صورةً لأعمال الله الخلاصيّة التي تبلغ كمالها في المسيح. فالعبور من العبوديّة إلى الحرّيّة يمكن أن يُقرأ في ضوء المسيح كعبور من: الخطيئة إلى النعمة؛ الموت إلى الحياة؛ العبوديّة إلى البنوّة... كما ارتبط عبور البحر في التقليد المسيحيّ بصورة المعموديّة؛ فالإنسان القديم يُترك وراءه، ويبدأ حياةً جديدةً في المسيح.
السؤال: كيف يساعدني هذا الحدث على فهم عمل المسيح الخلاصيّ؟
ج. المعنى الأخلاقيّ: ماذا يطلب مني؟ = النصّ لا يبقى مجرّد قصّة عن شعبٍ قديم، بل يصبح دعوةً شخصيّة:
- أين ما زلت أعيش في العبوديّة؟
- ما ومن هو «فرعون» الذي يمنعني من الحرّيّة؟
- هل أثق بالله عندما يبدو الطريق مسدودًا؟
- هل أمتلك الشجاعة لأترك ورائي ما يعيدني إلى العبوديّة؟
النتيجة الأخلاقيّة: أنا مدعوّ إلى الثقة بالله، وترك العبوديّة، والسير في طريق الحرّيّة التي يعطيها الله.
د. المعنى الأخرويّ: ماذا يقول عن السماء والرجاء الأبديّ؟ = عبور البحر يصبح صورةً لمسيرة الإنسان نحو الخلاص النهائيّ. كما عبر الشعب من أرض العبوديّة إلى أرض الحرّيّة، يسير المؤمن في حياته نحو: هذه الحياة إلى الحياة الأبديّة؛ الأرض إلى الملكوت؛ الموت إلى القيامة... وهنا يصبح النصّ مصدر رجاء: الله الذي يقود شعبه في الطريق لا يتوقّف عمله عند تحرير الإنسان من أزماته الحاضرة، بل يقوده نحو الخلاص الكامل والحياة مع الله.
مثال (2): أورشليم
- حرفيًّا: مدينة أورشليم.
- رمزيًّا: الكنيسة، شعب الله، أو أورشليم السماويّة بحسب السياق الكتابيّ والتقليديّ.
- أخلاقيًّا: الإنسان/النفس المدعوّة إلى أن تكون مسكنًا لله.
- أخرويًّا: أورشليم السماويّة، غاية مسيرة شعب الله.
وبهذا تصبح القراءة الرباعيّة انتقالًا من النصّ إلى المسيح، ومن المسيح إلى الحياة، ومن الحياة إلى الملكوت.
مزايا التقنيّة
- تمنع اختزال الكتاب المقدّس في بُعدٍ واحد: فالنصّ الكتابيّ لا يعود مجرّد معلومة تاريخيّة، ولا مجرّد مجموعة نصائح أخلاقيّة. بل يمكن أن يكون في الوقت نفسه: حدثًا، كشفًا للمسيح، دعوةً للحياة وطريقًا نحو الرجاء.
- تربط العهد القديم بالعهد الجديد: فأحداث العهد القديم يجب أن تُقرأ ضمن تاريخ الخلاص، وتُرى في ضوء المسيح الذي يجد فيه المسيحيّ كمال الوحي والخلاص.
- تنقل القارئ من المعرفة إلى التلمذة: وهذا يجعل القراءة الكتابية مرتبطة بالصلاة والتحوّل الشخصي.
ملاحظات
أ. البداية دائمًا من المعنى الحرفيّ: لا ينبغي أن نقفز مباشرةً إلى الرمزيّة، يل علينا أن نسأل أوّلًا: ماذا يقول النصّ فعلًا؟ ماذا حدث؟ لمن؟ ومتى؟ وفي أيّ سياق؟... لأنّ المعاني الروحيّة السليمة لا ينبغي أن تكون منفصلة عن النصّ.
ب. ليس المقصود اختراع أربعة معانٍ لكل كلمة: القراءة الرباعيّة ليست لعبة رموز بحيث يصبح لكلّ تفصيل معنى رمزيّ مستقلّ. مثلًا، إذا كان النص يذكر شجرة وثلاثة أحجار واثنين من الخراف، لا يعني ذلك تلقائيًا أنّ علينا إعطاء معنى روحيّ لكلّ رقم وكلّ عنصر. المطلوب هو اكتشاف المعنى الروحي الذي ينبثق بصورةٍ مشروعة من النصّ ومن الإيمان المسيحيّ.